بقلم د. محمد سعيد الريحاني
من حيث المنهج، لم يكن التاريخ يوما مجرد سرد للأحداث. ومن حيث الجدوى، لم يكن التاريخ حصيلة عشوائية لتصارع المصالح والقوى البشرية. ومن حيث المادة، لم ينحصر التاريخ يوما بين حدود المكتوب والمدون حتى يحصر في عصر اختراع الكتابة وما بعدها. لقد كان الحدث التاريخي أكثر تعقيدًا وثراءً من أن يُختزل في تفسير واحد، وأن فهمه يقتضي قراءة متعددة المستويات تجمع بين الوقائع الموثقة، والبنى الفكرية والاجتماعية، والسنن الكبرى التي تحكم حركة الإنسان والحضارة.
على هذا الأساس جاء هذا الموقع، الوجه الآخر للتاريخ، عاقدا العزم على قراءة جديدة للتاريخ تنطلق من منظور جريء يسعى إلى الجمع بين الوقائع التاريخية والتفسير الديني، بعيدًا عن الاختزال الذي يحصر الأحداث في بعد واحد. فالتاريخ، في نظر هذا المنهج، لا يُختزل في العوامل المادية وحدها، وإنما يتكون من مستويات متعددة من الفاعلية والتفسير تعمل بالتوازي وتتداخل فيما بينها دون تعارض. فكل مستوى يجيب عن سؤال مختلف يتعلق بالحدث نفسه، وبذلك تكتمل صورته بدل أن تُجزَّأ.
وانطلاقًا من هذا التصور، يرى هذا الموقع أن فهم الظاهرة التاريخية يقتضي النظر إليها من خلال ثلاث طبقات تفسيرية متكاملة. تتمثل الأولى في الطبقة المادية التي تعنى بالأحداث والوقائع والأدوات والفاعلين المباشرين، بينما تتمثل الثانية في الطبقة البنيوية التي تكشف البنى الذهنية والدوافع النفسية والأيديولوجيات والمصالح التي توجه السلوك الإنساني. أما الثالثة فهي الطبقة الماورائية التي تبحث في الغايات الكبرى والسنن الحاكمة لمسار التاريخ، سواء تجلت في التدبير الإلهي، أو في الصراع الغيبي، أو في المنطق التراكمي الذي يحكم حركة الحضارات والأمم.
ويهدف هذا المنهج إلى تجاوز مختلف أشكال الاختزال في قراءة التاريخ؛ فهو يرفض النظر إلى الماضي بوصفه مجرد سلسلة من المصادفات المادية العمياء. إنه يسعى إلى التوفيق بين ما تثبته الشواهد الأثرية والوثائق التاريخية وما توثقه النصوص الدينية، وإلى تفسير تطور الأحداث بوصفها نتاجًا لتفاعل مستمر بين الإرادات البشرية الحرة وبين مخططات وقوانين تتجاوز قدرة الإنسان الفردية وإرادته وتؤثر بالتالي في مسار التاريخ.
ومن هنا، يختلف منهج الوجه الآخر للتاريخ عن المناهج الأكاديمية السائدة التي تفسر التاريخ غالبًا باعتباره حصيلة للتفاعلات البشرية والمصالح والصراعات والصدف التاريخية وحدها. فهو يضيف إلى هذه العوامل بعدًا ماورائيًا يمنح الأحداث وحدةً ومعنىً وغايةً، ويجعل التاريخ أشبه بدراما كونية تتقاطع فيها الإرادات البشرية مع السنن الإلهية والقوى الروحية. وبينما يلتزم البحث الأكاديمي عادة بما يمكن إثباته ونقده وثائقيًا، يرى هذا الموقع أن العقل البشري يميل بطبيعته إلى تصور التاريخ باعتباره مسارًا ذا مقصد، لا مجرد تراكم عشوائي للأحداث، وأن استيعاب هذين البعدين معًا هو السبيل إلى قراءة أكثر شمولًا وعمقًا للتاريخ.
وتتوزع أقسام هذا الموقع، بالإضافة إلى "مقدمات" تحدد الرؤيا وتنير الطريق، على المحاور التاليه
الوجه الآخر للأركيولوجيا
الوجه الآخر للتاريخ
الوجه الآخر للتربية
الوجه الآخر للقيم
الوجه الآخر للفطرة
الوجه الآخر للهوية
الوجه الآخر للعلم
الوجه الآخر للفن
الوجه الآخر للموضة
الوجه الآخر للأدب
الوجه الآخر للنقد
الوجه الآخر للفلسفة
الوجه الآخر للسياسة
الوجه الآخر للاقتصاد
الوجه الآخر للحروب
الوجه الآخر لشعار نهاية التاريخ وموت الإنسان...
لا يطمح هذا الموقع، الوجه الآخر للتاريخ، إلى إعادة سرد التاريخ فحسب، بل إلى إعادة التفكير فيه. إنه يدعو القارئ إلى النظر خلف ظاهر الأحداث، واكتشاف القوى والأفكار والسنن التي صنعتها، وإلى الانتقال من قراءةٍ ترى الماضي سلسلةً من الوقائع المتفرقة، إلى قراءةٍ تراه قصةً متماسكة ذات معنى وغاية. فحين تتكامل الوثيقة مع الوحي، والعقل مع الإيمان، والسبب مع الغاية، يصبح التاريخ أكثر من مجرد سجل للماضي؛ يصبح مفتاحًا لفهم الحاضر واستشراف المستقبل.